الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
53
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هي عناية اللّه تعالى بهم بإدخال المسرّة عليهم ، وتحقيق فوزهم ، وتعريفهم برضوانه عليهم ، ورحمته بهم ، وبما أعد لهم من النعيم الدائم . ومجموع هذه الأمور لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة ، الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه المزايا فهم لم ينالوا جميعها . والتبشير : الإخبار بخير يحصل للمخبر لم يكن عالما به . فإسناد التبشير إلى اسم الجلالة بصيغة المضارع ، المفيد للتجدّد ، مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم ، وتجدّد إدخال السرور بذلك لهم ، لأنّ تجدّد التبشير يؤذن بأن المبشّر به شيء لم يكن معلوما للمبشّر ( بفتح الشين ) وإلّا لكان الإخبار به تحصيلا للحاصل . وكون المسند إليه لفظ الربّ ، دون غيره ممّا يدلّ على الخالق سبحانه ، إيماء إلى الرحمة بهم والعناية : لأنّ معنى الربوبية يرجع إلى تدبير المربوب والرفق به واللطف به ، ولتحصل به الإضافة إلى ضميرهم إضافة تشريف . وتقدّمت الرحمة في قوله : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ الفاتحة : 1 ] . والرضوان - بكسر الراء وبضمها - : الرضا الكامل الشديد ، لأنّ هذه الصيغة تشعر بالمبالغة مثل الغفران والشكران والعصيان . والجنّات تقدّم الكلام عليها في ذكر الجنة في سورة البقرة ، وجمعها باعتبار مراتبها وأنواعها وأنواع النعيم فيها . والنعيم : ما به التذاذ النفس باللذات المحسوسة ، وهو أخصّ من النعمة ، قال تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [ الانفطار : 13 ] وقال : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [ التكاثر : 8 ] . والمقيم المستمرّ ، استعيرت الإقامة للدوام والاستمرار . والتنكير في بِرَحْمَةٍ ، و رِضْوانٍ ، وَجَنَّاتٍ ، و نَعِيمٌ للتعظيم ، بقرينة المقام ، وقرينة قوله مِنْهُ وقرينة كون تلك مبشّرا بها . وجملة إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ تذييل وتنويه بشأن المؤمنين المهاجرين المجاهدين لأنّ مضمون هذه الجملة يعمّ مضمون ما قبلها وغيره ، وفي هذا التذييل إفادة أنّ ما ذكر من عظيم درجات المؤمنين المهاجرين المجاهدين هو بعض ما عند اللّه من